عبد الملك الجويني
56
نهاية المطلب في دراية المذهب
فيهِ أن الشرع سوَّغ أن يتخلل بين الإيصاء والقبول الزمانُ الطويلُ وموتُ الموصي . ثم إن جرى من الموصي ما يُشعر بمناقضة الوصية ، كان ذلكَ بمثابَةِ تخللِ زمانٍ طويل بين الإيجاب والقبول في البيع ، فبهذا السبب كان الرجوع في الوصيَّة أوسع باباً من الاختيار في البيع . 2932 - ونحن نذكر الآن أربعَ مراتبَ ، نجمع فيها قواعدَ المذهب : الأولى - فيما يثبت على الفور كالرّد بالعيب ، فكل ما ينافي الفورَ وُيشعر بالتأخير ، فهوَ مُسقطٌ ، وسنذكر ما يليق به في موضعه . والثانية - الرجوعُ عن الوصيَّة ، وهذا يعتمدُ ما يُشعر بمناقضةِ مقصود التنفيذ والاستمرارِ على الوصيَّة . والثالثة - الاختيارُ في زمان الخيار ، والأصل فيه ألا يحصل إلا بتصريحٍ أو تصرفٍ مزيلٍ للملكِ ، والوطء قياسُه ألا يكون اختياراً ، ولكنّ المذهب فيه ما قدَّمناه ، وتقريب تعليلهِ على أقصَى الإمكان أن الوطء لا يصدُر إلا ممن يؤثرُ استبقاء أو ردّاً ، ويبعد حَملُهُ على الاختيار ، وكذلكَ يَبعُد حمله على الهم بالاختيار ، وليس كالأمر بالبيع ؛ فإنه يدل على الهم بالاختيار ، ولا يَدُل على جَزمِ الرأي فيه ، والهمُّ يقطعُ الوصيةَ لضعفها ، والوطء ليس همّاً ، بل لا يُقدم عليه إلا مُوطِّنٌ نفسَهُ على أمر . نعم قد يكون الوطء فجرة ( 1 ) من الواطىء ، ولكن من له الخيار لا يُحمل أمرُه على هذه الجهة ، كما أن الإعتاق قد يوجهه المرءُ على ملكِ غيره هازلاً ، ولا يُحمل الإعتاق في زمان الخيار إلا على الاختيار .
--> ( 1 ) كذا مع ملاحظة أنها في ( ه 2 ) بدون أي نقط ، وفي الأصل بنقطة على الفاء . وأقرب ما تعطيه هذه الصورة في المعاجم ( فجرة ) كما رجحناه ، وهي بمعنى المرة من الفجور من فجر الرجل إذا زنا ، والمعاجم لم تذكر إلا ( ركب فلانٌ فجرةَ ) [ بدون تنوين ] إذا كذب كذبة عظيمة . هذا . وقد راجعت مع الأساس واللسان والمحيط والوسيط والمصباح والمختار ، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ، وغريب الحديث لأبي عبيد ، وغريب الحديث للخطابي ، وتهذيب الأسماء واللغات ، والألفاظ التي فسرها ابن خلكان في الوفيات ، ومعجم الأمثال العربية ، فلم أظفر من كل ذلك بما يشفي الغلة ، فعسى أن يكون ما قدرتُ صواباً . والعلم عند الله . والمراد أن الوطء قد يكون ( نزوة ) ، وليس معناه إرادة الاستبقاء ، أو إرادة الإجازة .